الزركشي
11
البرهان
وأخر في الأول ، لأن الكلام أولا في الفعل ، وثانيا فيمن فعل لأجله الفعل . واعلم أنه إنما يحسن سؤال الحكمة عن التكرار إذا خرج عن الأصل ، أما إذا وافق الأصل فلا ، ولهذا لا يتجه سؤالهم : لم كرر " إياك " في قوله : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) . فقيل : إنما كررت للتأكيد ، كما تقول : " بين زبد وبين عمرو مال " . وقيل : إنما كررت لارتفاع أن يتوهم - إذا حذفت - أن مفعول " نستعين " ضمير متصل واقع بعد الفعل ، فتفوت إذ ذاك الدلالة على المعنى المقصود ، بتقديم المعمول على عامله . والتحقيق أن السؤال غير متجه ، لأن هنا عاملين متغايرين ، كل منهما يقتضي معمولا ، فإذا ذكر معمول كل واحد منهما بعده فقد جاء الكلام على أصله ، والحذف خلاف الأصل ، فلا وجه للسؤال عن سبب ذكر ما الأصل ذكره ، ولا حاجة إلى تكلف الجواب عنه ، وقس بذلك نظائره . [ فوائد التكرير ] وله فوائد : أحدها : التأكيد ، واعلم أن التكرير أبلغ من التأكيد ، لأنه وقع في تكرار التأسيس ، وهو أبلغ من التأكيد ، فإن التأكيد يقرر إرادة معنى الأول وعدم التجوز ، فلهذا قال الزمخشري في قوله تعالى : ( كلا سوف تعلمون . ثم كلا سوف تعلمون ) : إن الثانية تأسيس لا تأكيد ، لأنه جعل الثانية أبلغ في الانشاء فقال : وفي ( ثم ) تنبيه على أن الإنذار الثاني أبلغ من الأول .